المقدمة:
يتربع حق الإضراب في القمة الهرمية للحقوق والحريات بالمغرب، باعتباره وسيلة نضالية أقرها الدستور للدفاع عن المصالح المادية والمعنوية للشغيلة. غير أن ممارسة هذا الحق داخل قطاع التربية الوطنية، وتحديدا من طرف فئة "متدربي الإدارة التربوية"، تثير إشكالات قانونية مركبة نظرا لخصوصية وضعيتهم "البينية"؛ فهم موظفون عموميون من جهة، ومتدربون خاضعون لنظام تكوين صارم من جهة أخرى.
يبني هذا التحليل قراءته على الفصل 29 من دستور 2011، ومقتضيات القانون التنظيمي رقم 97.15 (الذي حسمت المحكمة الدستورية في مطابقته للدستور بقرارها رقم 251/25)، وبالاستناد إلى المرسوم رقم 2.24.140 (النظام الأساسي الجديد لموظفي الوزارة).
تتمحور النزاعات عادة حول قيام الإدارة (المراكز الجهوية أو الأكاديميات) باتخاذ إجراءات (اقتطاعات مالية أو استفسارات تأديبية) في مواجهة متدربين استجابوا لنداءات إضراب نقابية، بدعوى أن "وضعية التدريب" تفرض حضورا إجباريا لا يقبل التعطيل.
الإشكالية المحورية:
منهجية التحليل:
سنتناول هذا الموضوع من خلال مبحثين؛
- الأول يعالج "التوصيف القانوني للمتدرب كصاحب حق أصيل"،
- والثاني يستشرف "موازنة الآثار بين الحق في الأجر والحماية من التأديب".
المبحث الأول: التوصيف القانوني للمتدرب كصاحب حق أصيل في ممارسة الإضراب
1. تكريس صفة "الموظف العمومي":
يذهب الفقه القانوني المغربي، وتؤيده في ذلك مقتضيات ظهير الوظيفة العمومية (1958)، إلى أن متدرب الإدارة التربوية لا يفقد صفته الأصلية كموظف (أستاذ أو غيره) بمجرد ولوجه المركز الجهوي. هو في حالة "وضعية نظامية لائحية" تتسم بالاستمرارية.
تؤكد المادة 2 من ظهير 1958 والمواد المنظمة لهيئة الإدارة التربوية في المرسوم 2.24.140، أن المتدرب هو موظف في طور الانتقال الإطاري. وبما أن الدستور (الفصل 29) منح حق الإضراب "للمواطنين" دون تمييز بين ممارس ومتدرب، فإن أي حرمان لهذه الفئة من ممارسة الحق يعد مخالفة صريحة للدستور.
2. مبدأ "المصلحة المباشرة" كشرط للمشروعية:
لكي يكون إضراب المتدرب مشروعا، يجب أن تتوفر فيه "المصلحة". وهنا نجد أن الملفات المطلبية للنقابات التعليمية تتضمن غالبا مطالب تهم "تعويضات التكوين" و"شروط التخرج".
إن القول بأن المتدرب لا يملك مصلحة في الإضراب هو قول يجانبه الصواب تماما؛ فالمتدرب يدافع عن حقوقه المستقبلية (كإطار إداري) وحقوقه الآنية (كتعويضات التدريب الميداني). وهذا التوجه يجد سنده في فقه القانون الاجتماعي الذي يوسع من مفهوم "النزاع المهني".
المبحث الثاني: موازنة الآثار بين "الأجر مقابل العمل" و"الحماية من التعسف"
1. شرعية الاقتطاع من الأجر:
استقر الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض (الغرفة الإدارية) على أن الاقتطاع من أجر المضربين ليس عقوبة، بل هو تطبيق لقاعدة "الأجر مقابل العمل"، وقامت بتكييف الإضراب بأنه "توقف إرادي عن العمل" يرفع عن كاهل الإدارة التزام أداء الأجر. وهذا ما كرسته المادة 6 من القانون التنظيمي 97.15.
وبناء عليه، هذا الموقف ليس تراجعا عن حماية الحق، بل هو إقرار لمبدأ "التوازن العَقْدي" بين الدولة والموظف. فالمتدرب الذي يضرب عن حصص التكوين، يقر ضمنيا بتنازله عن المقابل المالي لتلك الحصص، لكنه يظل محميا من "المخالفة المسلكية".
2. الحماية من التأديب:
هنا تبرز الديناميكية الفكرية لمحكمة النقض؛ فإذا كان الإضراب مشروعا (مستوفيا لشروط المادة 2 و3 من القانون 97.15 من حيث الجهة الداعية وأجل الإخطار)، فإنه يمنع على إدارة المركز الجهوي تفعيل المساطر التأديبية.
كما أن المادة 9 من القانون التنظيمي تمنع كل "إجراء تمييزي". وبالتالي، فإن أي استفسار أو توبيخ يوجه للمتدرب بسبب إضراب مشروع يعتبر "شططا في استعمال السلطة" وموجبا للإلغاء أمام القضاء الإداري.
غير أن هناك استثناء يخرج عن دائرة الحماية كالإضرابات "الفجائية" أو "احتلال المقرات" أو "منع الولوج" (المواد 7 و27). هنا، يتحول الفعل من ممارسة حق إلى "عرقلة مرفق عام"، مما يفتح الباب واسعا أمام العقوبات التأديبية التي قد تصل للإقصاء من السلك.
الخاتمة
إن ممارسة حق الإضراب لمتدربي الإدارة التربوية هي ممارسة محكومة بـ "ثنائية الحق والضابط". المتدرب ليس في جزيرة معزولة عن النضال النقابي، لكنه في ذات الوقت ملزم بضوابط "المشروعية الإجرائية" التي رسمها القانون التنظيمي الجديد.
كما تنبغي الإشارة إلى أن القضاء الدستوري والإداري يتجه نحو "عقلنة الاحتجاج"؛ بحيث يضمن للموظف صرخته المطلبية (الحماية من التأديب)، ويضمن للدولة توازنها المالي (شرعية الاقتطاع)، ويضمن للمجتمع استمرارية المرفق (منع العرقلة).
فالإضراب حق أصيل، لكن "الغطاء النقابي التمثيلي" هو الدرع القانوني الوحيد، واحترام "أجل الإخطار (7 أيام)" هو الفارق بين "الممارسة المشروعة" وبين "التغيب غير المبرر"، أما القبول بالاقتطاع هو جزء من ثقافة الحق والواجب، لكن رفض "التعسف التأديبـي" هو جوهر الأمن القانوني الذي يحميه القضاء.
إذا أعجبك الموضوع، اضغط إعجاب للصفحة