يشكل موضوع تدبير الموارد البشرية داخل المرافق العمومية وتحديدا قطاع التربية الوطنية إحدى أكثر المسائل دقة وحساسية، لكونه يضع المصلحة العامة المتمثلة في ضمان استمرارية المرفق العام أمام الحقوق والمصالح الفردية للموظفين كالحق في الاستقرار العائلي والاجتماعي. وتعتبر هذه الموازنة جوهر النزاعات الإدارية المتعلقة بحركية الموظفين. وفي هذا السياق، نستحضر القرار الصادر عن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض عدد 821 بتاريخ 08 أكتوبر 2020 في الملف الإداري عدد 4/182/1/2019، باعتباره عينة تمثيلية دقيقة لتوجه الاجتهاد القضائي المغربي في هذا الباب.
تتلخص وقائع هذا النزاع في تقدم موظف يعمل بوزارة التربية الوطنية بطلب للمشاركة في الحركة الانتقالية بهدف الالتحاق بالزوجة، غير أن الإدارة رفضت طلبه لوجود خصاص. وبعد تظلمه من القرار، لجأ إلى القضاء الإداري طالبا الإلغاء، حيث قضت محكمة الاستئناف الإدارية بإلغاء قرار الإدارة استنادا إلى استجابتها لطلب موظفة أخرى للانتقال إلى نيابة مختلفة، معتبرة ذلك خرقا لمبدأ المساواة.
بناء على ما سبق، تبرز الإشكالية المحورية التالية: كيف توازن محكمة النقض بين حماية حق الإدارة في إعمال سلطتها التقديرية لتنظيم المرفق العمومي وتدبير الموارد البشرية، وبين حماية الموظف من أي انحراف محتمل في استعمال السلطة عند تذرعه بخرق مبدأ المساواة؟.
ولمقاربة هذه الإشكالية، سنقسم تحليلنا إلى مبحثين، نتناول في الأول نطاق السلطة التقديرية للإدارة في تدبير الانتقالات، ونخصص الثاني لضوابط إعمال مبدأ المساواة والرقابة القضائية على التعليل الإداري.
المبحث الأول: نطاق السلطة التقديرية للإدارة في نقل الموظفين وحدود الرقابة القضائية
كرست محكمة النقض في هذا المحور مبدأ جوهريا يتمثل في الإقرار للإدارة بسلطة تقديرية واسعة في نقل الموظفين وتنظيم انتقالاتهم كلما اقتضت المصلحة العامة ومصلحة المرفق العمومي وحسن سيره وتدبيره. وقد استشهدت المحكمة في تعليلها بأن نقل الموظف الذي يوجد في وضعية نظامية تجاه الإدارة، لا يمكن مؤاخذة الإدارة بشأنه إلا في حالة ثبوت انحراف في استعمال السلطة.
وهذا التوجه يجد سنده التشريعي الراسخ في مقتضيات الفصل 64 والفصل 24 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وكذا في القواعد المنظمة للحركة الانتقالية التي تشترط لزوما موافقة الرؤساء التسلسليين كالنائب الإقليمي ومدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين. ويشكل هذا الموقف تأكيدا واستمرارية لتوجه قضائي راسخ يحمي استقلالية الإدارة في تدبير مواردها البشرية وتوزيعها جغرافيا لسد الخصاص.
إن هذا التكريس ليس مجرد مسألة شكلية، بل له آثار عميقة في حماية المرفق التربوي من الشلل، حيث إن الإدارة بررت رفضها بوجود خصاص فعلي يتجلى في كون عدد موظفي النيابة الإقليمية المعنية لا يتجاوز 31 موظفا. وقد جانب الصواب تماما توجه محكمة الاستئناف حينما التفتت عن هذا المعطى الواقعي والإداري الحاسم، متجاوزة بذلك حدود رقابة المشروعية إلى التدخل في ملاءمة القرار الإداري.
المبحث الثاني: ضوابط إعمال مبدأ المساواة والرقابة القضائية على التعليل الإداري
ركزت محكمة النقض في هذا المبحث على تكريس قاعدة قانونية دقيقة تهم شروط الدفع بخرق مبدأ المساواة، موضحة أن التمسك بهذا المبدأ يقتضي وجوبا تماثل المركز القانوني والواقعي للموظفين المعنيين. وقد أوضحت المحكمة في تعليلها أن استجابة الإدارة لطلب موظفة أخرى للانتقال إلى نيابة إقليمية مختلفة لا يشكل خرقا للمساواة، لعدم وجود تشابه أو تماثل بين الحالتين سواء من حيث الوجهة المطلوبة أو ظروف الخصاص في الأكاديمية الأصلية والمستقبلة.
يجد هذا الموقف سنده في المبادئ العامة للقانون الإداري التي تقيد إعمال مبدأ المساواة بوحدة الظروف الموضوعية. وبمقارنة هذا الموقف مع الاجتهاد القضائي المستقر، نجد أنه يمثل تطورا نوعيا في تحصين القرارات الإدارية ضد الإلغاء المبني على قياسات غير دقيقة. إن محكمة الاستئناف حينما أسست قضاءها بالإلغاء على مجرد مقارنة سطحية بين حالتين لا تتطابقان في الوجهة ولا في المعطيات الميدانية، تكون قد أسست قرارها على تعليل فاسد يوازي انعدامه.
ويعكس هذا النزاع توترا واضحا بين مبدأ حماية الاستقرار العائلي للموظف طالب الالتحاق بالزوج، وبين مبدأ ضمان استمرارية المرفق العام التربوي الذي يعاني من الخصاص، وقد انتصرت محكمة النقض للمبدأ الثاني متى غاب الدليل القاطع على الانحراف في استعمال السلطة.
الخاتمة
تأسيسا على ما سبق تحليله، نخلص إلى أن محكمة النقض أرست من خلال هذا القرار قواعد صارمة تؤكد أن الإدارة التربوية وتسيير الموارد البشرية والموافقة على طلبات الانتقال ضمن منظومة تدبير الموظفين، تدخل في صميم السلطة التقديرية للإدارة، والمقيدة فقط بحدود المصلحة العامة وحسن سير المرفق. ولا تملك المحاكم الإدارية سلطة الحلول محل الإدارة في تقييم مدى وجود الخصاص من عدمه، ما لم يقم الدليل الواضح على الشطط أو الانحراف في السلطة.
ويتجلى التوجه العام لمحكمة النقض في سعيها الحثيث لخلق توازن موضوعي يحمي الأمن القانوني والمؤسساتي، من خلال رفضها توسيع نطاق مبدأ المساواة ليشمل حالات لا تتطابق فيها المراكز القانونية والواقعية للموظفين، رافضة بذلك القياس مع الفارق.
كخلاصة عملية يجب على الإدارة أن تحرص على توثيق مبررات الخصاص بدقة عند اتخاذ قرارات الرفض درءا لأي طعن بالشطط، كما يتعين على القاضي الإداري التثبت الصارم من التطابق التام في المعطيات الإدارية والواقعية قبل ترتيب جزاء الإلغاء استنادا إلى خرق مبدأ المساواة بين الموظفين.
إذا أعجبك الموضوع، اضغط إعجاب للصفحة