تحتل الصفقات العمومية مكانة بالغة الحساسية في تقاطع القانون الإداري مع حماية المال العام، حيث يفترض في الموظف العمومي المؤتمن على تدبيرها التحلي بأعلى درجات التجرد والنزاهة. وتبرز مؤسسة السر المهني كدرع واق يحمي مبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين، ويمنع تحول الإدارة من مرفق عام إلى خادم لمصالح خاصة.
يتجلى هذا المعطى بوضوح في القرار الصادر عن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض رقم 943، بتاريخ 11 يوليوز 2019، في الملف الإداري عدد 3211/4/1/2018.
وتتلخص الوقائع النموذجية لهذا النزاع في إقدام إدارة بريد المغرب على توقيف موظف عن العمل، بناء على تقرير للمديرية المركزية للتدقيق والتفتيش. أثبت التقرير حصول الموظف على ملف تقني لطلب عروض قبل الانعقاد الرسمي للجنة، وتواصله هاتفيا مع إحدى الشركات المتنافسة حتى في أيام العطل (السبت) ويوم فتح الأظرفة، فضلا عن إعداده لسيناريو التنقيط وتغيير وثائق الملف التقني للشركة المعنية. في المقابل، دفع الموظف بأن تصرفاته تدخل في صميم مهامه لتسريع وتيرة العمل بطلب من رئيسه، معتبرا تواصله مع الشركات حقا يدخل في باب المنافسة المشروعة، ومحتجا بأن استعمال الهاتف ليس فعلا جرميا.
بناء على هذا التعارض الصارخ بين تكييف الإدارة وتبرير الموظف، تبرز الإشكالية المحورية التالية:
كيف توازن محكمة النقض، بوصفها محكمة قانون، بين حق الشركات في الولوج إلى المعلومة الإدارية (المنافسة المشروعة) وبين الالتزام الصارم للموظف العمومي بكتمان السر المهني، خاصة عند ثبوت استغلاله لمنصبه الوظيفي للتأثير على مسار الصفقات العمومية؟
لمعالجة هذه الإشكالية، سنقسم تحليلنا إلى مبحثين؛
- نخصص الأول للتكييف القانوني للخطأ التأديبي وخرق السر المهني.
- ونفرد الثاني للرقابة القضائية على التبريرات الواهية للموظف في مقابل حماية النزاهة الإدارية.
المبحث الأول: التكييف القانوني للخطأ التأديبي والتكريس القضائي لواجب كتمان السر المهني
حسمت محكمة النقض موقفها بتأييد القرار الاستئنافي الذي اعتبر تصرفات الموظف أخطاء مهنية جسيمة تبرر عقوبة الإقصاء المؤقت عن العمل. وقد أسست المحكمة قضاءها على وقائع مادية دالة، اعتبرتها خرقا صريحا لمقتضيات المادة 93 من المرسوم رقم 2.06.388 (بتاريخ 5 فبراير 2007) المتعلق بتحديد شروط وأشكال إبرام صفقات الدولة. وأكدت المحكمة أن القواعد المتعلقة بتدبير الصفقات تلزم أعضاء لجان فتح الأظرفة ولجان القبول بكتمان السر المهني التام فيما ينتهي إلى علمهم، وتسري هذه الالتزامات على كل موظف أو تقني مساهم في هذه اللجان.
إن التكييف الذي اعتمدته محكمة النقض يتسم بصرامة منهجية. فالمحكمة لم تقف عند حدود قانون الوظيفة العمومية التقليدي، بل استندت إلى النص الخاص (مرسوم الصفقات العمومية) والقانون المنظم لمهنة البريد اللذين يفرضان كتمان السر المهني. وهذا التوجه يجد سنده في المبدأ الفقهي الخاص يقيد العام. لقد جانب الطاعن الصواب تماما حينما اعتبر أن استعمال الهاتف لا يشكل فعلا جرميا؛ فالقضاء الإداري هنا لا يحاكم أداة الاتصال، بل يحاكم الغاية من الاتصال وتوقيته (أيام العطل ويوم فتح الأظرفة) وأثره على حياد الإدارة. إن تكريس المحكمة لمبدأ استغلال المنصب الوظيفي لمجرد تسريب معطيات تقنية أو إعداد تقارير جاهزة قبل مصادقة اللجنة المصغرة، ليس مجرد مسألة شكلية، بل له آثار عميقة في تخليق المرفق العام وحماية المال العام من التلاعبات القبلية.
المبحث الثاني: رقابة محكمة النقض على التبريرات الوظيفية والموازنة بين الشفافية والاستغلال
يكشف هذا القرار عن ديناميكية عميقة في اجتهاد محكمة النقض عند موازنتها بين المنافسة المشروعة التي تذرع بها الطاعن، وبين النزاهة الإدارية. حاول الطاعن تبرير أفعاله بأن من حق أي شركة الاطلاع على شروط المشاركة وتواريخها، معتبرا إجابته على استفساراتهم جزءا من عمله.
تصدت محكمة النقض لهذا الدفع بذكاء قضائي بالغ، حيث ميزت ضمنيا بين الحق في الإخبار المؤسساتي العلني (الذي يتم عبر وسائل الإعلام والصحف كما ذكر الطاعن)، وبين التواصل الفردي السري الذي يتم خارج القنوات الرسمية ويشمل تعديل وثائق تقنية لصالح شركة بعينها (شركة C-M) وإعداد جداول تقييم بخط اليد مسبقا. واعتبرت المحكمة هذه الوقائع تشكل حجة دالة على إفشاء سر طلب العروض. إن هذا التوجه يمثل تأكيدا حازما لاجتهاد القضاء الإداري المغربي الذي يرفض تحصين الأخطاء التأديبية الجسيمة خلف ذرائع التعليمات الشفوية للرؤساء أو الاجتهاد الوظيفي، محملا الموظف المسؤولية الشخصية المباشرة عن إفشاء أسرار الإدارة المؤتمن عليها.
الخاتمة:
من خلال القراءة التركيبية لهذا القرار، يتبين بوضوح أن التوجه العام لمحكمة النقض يميل بشدة نحو التشدد في حماية مبدأ المنافسة النزيهة في الصفقات العمومية. لقد رسمت المحكمة خطا فاصلا لا لبس فيه: السر المهني ليس مجرد التزام أخلاقي، بل هو التزام قانوني صريح يترتب عن إفشائه تكييف الفعل كاستغلال للمنصب الوظيفي يبرر أقصى العقوبات التأديبية (كالإقصاء عن العمل بوقف الراتب).
عمليا، يوجه هذا الاجتهاد رسالة حازمة لجميع المتدخلين في لجان الصفقات العمومية مفادها أن أي تواصل غير مؤسساتي مع المتنافسين، أو أي إعداد استباقي خارج التداول الجماعي للجان، يعد قرينة قاطعة على الانحياز وإفشاء السر المهني، ولا يمكن تبريره بأي ذريعة إدارية أو أوامر رئاسية غير موثقة.
إذا أعجبك الموضوع، اضغط إعجاب للصفحة