يطرح التطور المتسارع لهياكل الدولة وتعدد أنماط التدبير العمومي إشكالات قانونية معقدة، لعل أبرزها التكييف القانوني للعاملين داخل مؤسسات ومرافق الدولة، وما يترتب عن ذلك من تحديد للجهة القضائية المختصة بالبت في نزاعاتهم. ويزداد الأمر تعقيدا مع حركية الموارد البشرية واعتماد آليات مرنة مثل الوضع رهن الإشارة، مما يفرز أحيانا اختلالات في المراكز القانونية وتدافعا إداريا حول تحمل الأعباء المالية (الأجر، التقاعد، التغطية الصحية)، ويضع الأمن المالي والوظيفي للأجير أو الموظف على المحك.
تمثل محطة التحليل في هذا المقام القرار الصادر عن محكمة النقض (الغرفة الإدارية) عدد 542 بتاريخ 18 أبريل 2019، في الملف الإداري عدد 2019/1/4/1947، والذي يعد عينة تمثيلية رائدة للاجتهاد القضائي في هذا الباب.
تتجسد الوقائع النموذجية لهذا القرار في كون المدعي، الذي يشتغل إطارا عاليا بصندوق الإيداع والتدبير (مؤسسة عمومية)، عين في منصب الكاتب العام للهيئة المركزية للوقاية من الرشوة في إطار وضعية الوضع رهن الإشارة، مع الاتفاق على احتفاظه بكامل أجره وامتيازاته. غير أنه في خضم هذا الانتقال الوظيفي، وبناء على توجيهات إدارية متداخلة، تم إنهاء وضعه رهن الإشارة ليجد نفسه ضحية تجميد أجره ووقف مساهماته الاجتماعية، مما اضطره للجوء إلى القضاء الإداري للمطالبة بمستحقاته المالية ضد إدارته الأصلية والمؤسسات المستقبلة.
بناء على هذه الوقائع، تتبلور الإشكالية المحورية التالية:
- كيف توازن محكمة النقض بين المفهوم الضيق للموظف العمومي المنصوص عليه في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وبين المفهوم الواسع والوظيفي الذي تقتضيه المادة 8 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية لضمان الحماية القضائية للعاملين بالمؤسسات العمومية؟
- وكيف يمتد هذا التوجه الحمائي لضبط المراكز المالية المختلة الناجمة عن مؤسسة الوضع رهن الإشارة ومنع التحلل الإداري من الالتزامات؟
لمعالجة هذا الإشكال، سينتظم التحليل في ثلاثة مباحث أساسية؛ يسلط الأول الضوء على مفهوم الموظف العمومي في اجتهاد محكمة النقض، ويركز الثاني على الآثار الإجرائية لهذا التكييف في تكريس الاختصاص النوعي للقضاء الإداري، بينما يخصص المبحث الثالث لتحليل التكييف القانوني لمؤسسة الوضع رهن الإشارة وحماية الحقوق المالية للموظف.
المبحث الأول: القراءة التوسعية والوظيفية لمفهوم الموظف العمومي
دفع المدعى عليهما بعدم اختصاص المحكمة الإدارية نوعيا، متذرعين بأن المدعي ليس موظفا عموميا خاضعا للقانون الإداري بناء على النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وأن أجراء الصندوق يخضعون لنظام خاص. إلا أن محكمة النقض تصدت لهذا الدفع بتكريس مبدأ جوهري، معتبرة أن مفهوم الوضعية الفردية الموكول للقضاء الإداري يشمل الموظف العمومي بالمفهوم الإداري ويشمل كذلك وبنفس الدرجة العاملين بالمؤسسات العمومية.
يجد هذا التوجه سنده في فلسفة المادة 8 من القانون رقم 41-90 المحدث للمحاكم الإدارية. وقد جانب الصواب تماما الدفع المتمسك بالمفهوم الضيق للموظف العمومي؛ فمحكمة النقض ترتقي بالتحليل لتميز بين الصفة الضيقة في ظهير 1958، والمركز القانوني التنظيمي للعامل بمؤسسة عمومية. إن هذا التكريس ليس مجرد مسألة شكلية، بل هو توسيع مقصود لمظلة القانون الإداري لتشمل فئة عريضة من مستخدمي الدولة، حماية لهم من الخضوع لقواعد القانون الخاص التي قد لا تلائم طبيعة المرفق العام.
المبحث الثاني: تكريس الاختصاص النوعي للقضاء الإداري (سمو الغاية التشريعية)
ركزت محكمة النقض على طبيعة الطلب لتأسيس اختصاصها، معتبرة أن طلب المدعي يهدف في أساسه إلى المطالبة بمستحقات مالية مرتبطة بالأجر مقابل العمل المؤدى لمؤسسة عمومية (صندوق الإيداع والتدبير)، وهو ما يندرج في صميم اختصاص القضاء الإداري.
كما أسست المحكمة قضاءها على الروابط الوظيفية التي تجمع المدعي بمرفق يدار بأموال عامة، فالتكييف الذي اعتمدته المحكمة سليم للغاية. فاستبعاد هؤلاء العاملين من رقابة القضاء الإداري كان سيحرمهم من ضمانات قاضي الإلغاء والتعويض والمشروعية. العبرة إذن ليست بالصفة النظامية الضيقة، بل بارتباط النزاع بسير مرفق عمومي وتدبير المال العام.
المبحث الثالث: مؤسسة الوضع رهن الإشارة والحماية القضائية للأمن المالي للموظف
عالجت محكمة النقض إشكالية المطالبة بالمستحقات تطبيقا لمقتضيات الوضع رهن الإشارة لفائدة المؤسسات المشار إليها، مكرسة مبدأ أن هذه الآلية لا تقطع الصلة الإدارية بالجهة الأصلية، ومعلية من شأن قاعدة الأجر مقابل العمل كحق ثابت لا يقبل التجميد.
يتأصل هذا الموقف في المبادئ العامة للقانون الإداري المتعلقة بحماية الحقوق المكتسبة. لقد وازنت المحكمة ببراعة بين السلطة التقديرية للإدارة في نقل كفاءاتها، وبين حقوق الموظف في الأجر والتغطية الاجتماعية. فالقاضي الإداري يعتبر الوضع رهن الإشارة إجراء تنظيميا بين الإدارتين لا يجوز أن يتحول إلى فخ مالي يجرد فيه الإطار من راتبه. إن تحميل المؤسسة الأصلية أو المستقبلة عبء تسوية الوضعية يمنع حالة التهرب المؤسساتي ويصون الأمن الاجتماعي للأجير.
الخاتمة:
يُستخلص من التحليل التركيبي لهذا القرار أن محكمة النقض قد أرست توجها قضائيا ثابتا يوسع من مظلة القضاء الإداري لتشمل كافة العاملين بالمؤسسات العمومية متى تعلق الأمر بنزاعات وضعيتهم الفردية. كما حصَّنت الحقوق المالية للموظفين المشمولين بآليات الحركية الإدارية كـالوضع رهن الإشارة، رافضة أي مساس بمستحقاتهم نتيجة سوء التنسيق بين الإدارات.
ومن الناحية التأصيلية البحتة، تجدر الإشارة إلى أن المفهوم القانوني الكلاسيكي لـالموظف العمومي ظل حبيس النطاق العضوي والشكلي الضيق الذي رسمه الفصل الثاني من ظهير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، والذي يشترط التعيين في وظيفة قارة والترسيم في أسلاك الإدارة التابعة للدولة؛ وهو تعريف يقصي حرفيا مستخدمي المؤسسات العمومية الخاضعين لأنظمة خاصة. غير أن محكمة النقض، وفي التفاتة اجتهادية متقدمة، أعملت آلية التكييف الوظيفي والغائي متجاوزة جمود النص؛ إذ استندت إلى المادة 8 من القانون رقم 41-90 المحدث للمحاكم الإدارية لتبسط عباءة القانون الإداري على العاملين بالمؤسسات العمومية، جاعلة إياهم في مرتبة الموظفين العموميين. إن المحكمة بهذا التكييف الذكي أسست لـ المفهوم الواسع للموظف العمومي، معتبرة أن مناط الاختصاص الإداري لا يكمن فقط في الطبيعة النظامية الصرفة للمدعي، بل يتحدد بالارتباط العضوي والوظيفي بمرفق عام يدار بأموال عمومية.
إن التوجه العام للقضاء الإداري المغربي، في أعلى هرمه، يسعى بخطى حثيثة نحو تحقيق توازن دقيق: احترام الأنظمة الخاصة للمؤسسات العمومية والسلطة التنظيمية للإدارة من جهة، وتوحيد جهة الرقابة القضائية (القاضي الإداري بوصفه الحامي الطبيعي للمشروعية والمال العام) من جهة أخرى، لضمان حماية الطرف الضعيف وصون أمنه القانوني والمالي.
لقد رسم الاجتهاد القضائي خطا فاصلا وواضحا؛ كل منازعة تتعلق بتسوية وضعية فردية (أجر، تقاعد) لإطار داخل مؤسسة عمومية هي منازعة إدارية خالصة. كما يمنع اتخاذ قرارات كـالوضع رهن الإشارة دون تحديد دقيق للجهة المتحملة للأعباء المالية، فالإدارة الأصلية تبقى الضامن الأول قانونا وقضاء للحقوق المالية المكتسبة لموظفيها.
إذا أعجبك الموضوع، اضغط إعجاب للصفحة