محكمة النقض توقف تغول الجامعات: لا يجوز التذرع بالاستقلال المالي لفرض رسوم تسجيل على الموظفين.

محكمة النقض توقف تغول الجامعات

يشكل مبدأ مجانية التعليم العمومي أحد الركائز الدستورية التي تبنى عليها سياسة الدولة الاجتماعية، غير أن تنزيل هذا المبدأ يصطدم أحيانا بالرغبة المتزايدة للمؤسسات العمومية، كالجامعات، في تعزيز استقلالها المالي والبحث عن موارد ذاتية جديدة لتغطية تكاليف التسيير. في هذا السياق، يبرز التوتر القانوني بحدة عندما تحاول الإدارة الجامعية فرض رسوم مالية على فئة معينة من الطلبة (الموظفين) مقابل متابعة دراستهم الجامعية، مبررة ذلك بتكييف أوقات الدراسة لتلائم التزاماتهم المهنية.

ولعل القرار الصادر عن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض رقم 1/977 بتاريخ 04 أكتوبر 2018، في الملف الإداري رقم 701/4/1/2018، يمثل عينة مرجعية ونموذجية للاجتهاد القضائي المغربي في تصديه لهذا التوتر.

تتلخص وقائع هذا النزاع في توجه طالب (موظف عمومي) لتسجيل نفسه بسلك الدكتوراه بكلية العلوم السملالية التابعة لجامعة القاضي عياض، ليفاجأ برفض إداري معلل بضرورة أداء مبلغ 10.000 درهم كواجبات سنوية للتسجيل. وقد بررت الجامعة هذا القرار الانفرادي بكونها أعادت برمجة حصص التكوين خارج أوقات العمل الرسمية (أيام الجمعة والسبت والأحد) لفائدة الموظفين المأجورين، مما يتطلب مصاريف لوجستيكية وأجورا إضافية للأساتذة المؤطرين، معتمدة في ذلك على استقلالها المالي المنصوص عليه في القانون رقم 01.00 المنظم للتعليم العالي.

بناء على هذا السياق، تتبلور الإشكالية التالية:

كيف وازنت محكمة النقض بين حماية الحق الدستوري في التعليم المجاني للمواطنين (بصرف النظر عن وضعيتهم المهنية)، وبين احترام الاستقلال المالي والإداري للجامعة الذي يخولها تنمية مواردها الذاتية؟ وهل يمكن تكييف التكوين الأساسي ليصبح مؤدى عنه بمجرد تغيير جدولة حصصه الزمنية؟

لمقاربة هذه الإشكالية، سنعتمد خطة تحليلية تنقسم إلى مبحثين؛ نخصص الأول للتكييف القانوني لرسوم التسجيل وتمييز التكوين الأساسي عن المستمر، ونعالج في المبحث الثاني حدود الاستقلال المالي للجامعة أمام دسترة الحق في التعليم.

المبحث الأول: التكييف القانوني لرسوم التسجيل: التقيد الصارم بالنص التشريعي

كرست محكمة النقض مبدأ قانونيا راسخا يتمثل في عدم جواز فرض أي رسوم على التكوينات الأساسية بالجامعات العمومية، معتبرة أن المشرع قصر إمكانية استخلاص الرسوم حصريا على ما يخص التكوين المستمر. وقد اعتمدت المحكمة في تعليلها على صراحة المادة 18 من القانون رقم 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي، لتؤكد أن سلك الدكتوراه يدخل في إطار التكوين الأساسي، وبالتالي لا يقبل فرض أي رسوم عليه.

وهذا التوجه يجد سنده المباشر في مبدأ تدرج القوانين ومبدأ الشرعية الإدارية. فالإدارة (مجلس الجامعة) لا تملك صلاحية استحداث شروط جديدة لولوج مرفق عام تنتفي من السند التشريعي. وقد جانب الصواب تماما الدفع الذي تمسك به الطاعن (الجامعة) والمبني على كون المادة 18 تسمح بإدراج الموارد المختلفة ضمن ميزانية الجامعة؛ لأن المشرع عندما عدد تلك الموارد، قيد استخلاص الرسوم بخدمات محددة ليس من ضمنها التكوين الأساسي الذي يظل خاضعا لمبدأ المجانية.

إن هذا التكريس ليس مجرد مسألة شكلية، بل له آثار عميقة على مستوى حماية الأمن القانوني للمرتفقين. فالمحكمة التفتت إلى أن تقديم الدروس خارج أوقات العمل الرسمية (نهاية الأسبوع) هو مجرد إجراء تنظيمي مادي لتيسير متابعة الموظفين لدراستهم، ولا يغير البتة من الطبيعة القانونية والأكاديمية للشهادة (الدكتوراه) كـ تكوين أساسي. التكييف الذي اعتمدته المحكمة سليم ومحكم، إذ منع الإدارة من التحايل على القانون عبر تغيير الغلاف الزمني للتكوين بغية تغيير طبيعته القانونية لجعله تكوينا مؤدى عنه.

المبحث الثاني: الموازنة بين الاستقلال المالي للجامعة ودسترة الحق في التعليم

يبرز في هذه القضية توتر واضح بين مبدأين: حق الجامعة في التدبير المستقل لمواردها، والحق الدستوري في التعليم.

لقد دفعت الجامعة بتمتعها بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي، وحق مجلسها في خلق موارد مالية لتغطية المصاريف الإضافية (أجور الأساتذة خارج أوقات العمل الرسمية) بعيدا عن مفهوم التكاليف العمومية المنصوص عليها في المادة 39 من الدستور. في مقابل ذلك، انتصرت محكمة النقض للمبدأ الدستوري، مؤكدة أن التعليم يعد من أهم وظائف الدولة وأن كفالة الدستور لهذا الحق تعني توفيره لكل مواطن وفق قواعد لا تؤدي إلى مصادرته أو الانتقاص منه.

تؤكد محكمة النقض هنا أن الاستقلال المالي ليس تفويضا مطلقا للجباية خارج إطار القانون. فالاستقلال الإداري للمؤسسات العمومية يدور وجودا وعدما في فلك تحقيق المصلحة العامة التي أحدثت من أجلها. وإذا كان القانون يسمح بخلق موارد، فإن ذلك مقيد باحترام مجانية المرفق العام في شقه الأساسي. إن تبرير فرض الرسوم بتغطية التكاليف اللوجستيكية وأجور الساعات الإضافية هو تبرير مالي لا يمكنه أن ينسخ حقا دستوريا مكتسبا، فالقصور في ميزانية المؤسسة يجب أن يعالج عبر قنوات الدعم الحكومي والوصاية، وليس عبر تحميل المواطن أعباء مالية غير مشروعة لولوج تكوين أساسي.

الخاتمة:

من خلال القراءة التركيبية لهذا القرار، يتبين أن محكمة النقض تضع خطوطا حمراء أمام نزوع المؤسسات العمومية نحو التسليع غير المشروع لخدماتها الأساسية تحت غطاء الاستقلال المالي. المبدأ الذي تبلور بوضوح هو: لا رسوم خارج نطاق التكوين المستمر، ولا عبرة بالجدولة الزمنية للتكوين في تحديد طبيعته القانونية.

يتجه القضاء الإداري المغربي توجها حمائيا صارما؛ حيث يجعل من الدستور (الحق في التعليم) والقانون التنظيمي (مجانية التكوين الأساسي) حائط صد أمام القرارات الانفرادية للمجالس الإدارية للمؤسسات العمومية مهما كانت مبرراتها المالية واللوجستيكية منطقية من الزاوية المحاسبية.

لذا يتوجب على رؤساء الجامعات وعمداء الكليات الإدراك التام بأن أي تعديل في أوقات الدراسة لتلائم الموظفين يجب أن يبقى في إطاره التنظيمي المادي كخدمة إدارية، ولا يبرر إطلاقا إقرار رسوم مالية تحت مبرر التكلفة الإضافية، لأن سلك الدكتوراه والإجازة والماستر (في شقها العادي) تبقى تكوينات أساسية مجانية بقوة التشريع، وكل قرار يخالف ذلك مآله الإلغاء القضائي المحتوم حماية لمبدأ مجانية المرفق العام الدستوري.

إذا أعجبك الموضوع، اضغط إعجاب للصفحة

أحدث أقدم

نموذج الاتصال