قرار محكمة النقض: هل يحق للإدارة إلغاء انتقال الموظف بسبب خطأ في منصة الحركة الانتقالية؟

قرار محكمة النقض

تطرح رقمنة المرفق العام والإدارة العمومية إشكالات قانونية دقيقة، لاسيما عند تقاطع الخطأ المعلوماتي مع مبدأي الشرعية واستقرار المراكز القانونية. وتمثل قرارات محكمة النقض مرآة عاكسة لهذا التدافع الفقهي والقضائي، ومنها القرار الإداري رقم 1/624 الصادر بتاريخ 14 يونيو 2018 في الملف رقم 2350/4/1/2017.

تتلخص الوقائع في استفادة موظف عمومي (أستاذ) من حركة انتقالية عبر برنامج معلوماتي مخصص للوزارة، ليفاجأ لاحقا بقرار من الإدارة يلغي انتقاله ويرجعه لمقر عمله الأصلي، بعلة مصادقته على معطيات غير صحيحة لتاريخ توظيفه. وقد تمسك الموظف بمسؤولية الإدارة عن مسك المعطيات الآلية في نظامها، معتبرا قراره بالانتقال حقا مكتسبا.

يفرز هذا النزاع هذه الإشكالية:

كيف توازن محكمة النقض بين حماية المركز القانوني للموظف (الحق المكتسب) الناشئ عن قرار إداري بالإيجاب، وبين حق الإدارة في سحب قراراتها وتصحيح الوضعيات غير النظامية الناتجة عن أخطاء التصريح الإلكتروني؟

سنعالج هذه الإشكالية عبر مبحثين: نخصص الأول للمسؤولية عن الخطأ المعلوماتي، والثاني لسحب القرارات وحدود نظرية الحق المكتسب.

المبحث الأول: المسؤولية عن الخطأ المعلوماتي وتكريس مبدأ دقة التصريح.

كرست محكمة النقض مبدأ تحميل الموظف مسؤولية البيانات المصادق عليها إلكترونيا، ناقضة بذلك توجه محاكم الموضوع التي حملت الإدارة مسؤولية الخطأ الآلي. واستندت المحكمة في تعليلها إلى التنصيص الصريح للمذكرة الإطار التي تلزم المترشحين بتحري الدقة أثناء المصادقة على طلباتهم.

  • وهذا التوجه يجد سنده في المبادئ العامة للقانون الإداري وقواعد حسن النية، حيث تعد المصادقة الإلكترونية إقرارا فعليا بصحة الوقائع المنتجة للآثار القانونية.
  • وقد جانب الصواب تماما الدفع بتنصل الموظف من المسؤولية بحجة المسك الآلي للبيانات، لأن علم الموظف بتاريخ توظيفه الحقيقي، ومصادقته على تاريخ أقدم يمنحه أفضلية غير مستحقة، ينفي عنه حسن النية.

المبحث الثاني: سحب القرارات وموازنة الحق المكتسب مع مبدأ المشروعية.

حسمت محكمة النقض التوتر بين استقرار المراكز الإدارية وحماية المشروعية بتأكيدها الصارم على مبدأ أن الوضعيات غير النظامية لا تخول أي حق مكتسب في الاستفادة من النصوص القانونية المنظمة للوظيفة العمومية.

  • استشهدت المحكمة بالقاعدة الأصولية والقانونية ما بني على باطل فهو باطل ولا ينتج إلا العدم.
  • إن هذا التكريس ليس مجرد مسألة شكلية، بل له آثار عميقة في حماية حقوق الأغيار (الموظف المنافس الذي يكبره سنا ويتساوى معه في النقط والذي حرم من المنصب بسبب الخطأ).
  • أكدت المحكمة حق الإدارة في تصحيح وضعيات الإغفال أو التقصير، وسحب قراراتها غير المشروعة متى تم ذلك داخل الآجال القانونية المحددة (سحب القرار في هذه النازلة خلال أقل من شهر).

الخاتمة:

يستشف من هذا التحليل أن محكمة النقض تؤسس لتوجه قضائي متين يغلب مبدأ المشروعية الموضوعية وحقوق الأغيار على مبدأ استقرار المراكز القانونية الفردية متى شابت هذه الأخيرة اختلالات أو بيانات مغلوطة، ولو كانت ناتجة عن برامج معلوماتية. وترسم المحكمة بذلك خطا فاصلا يفرض على الموظفين العموميين يقظة قانونية تامة عند التعامل مع المنصات الرقمية، فالمسك الآلي للبيانات لا يعفي من الالتزام الشخصي بصدق التصريح، والإدارة تملك دائما سلطة إرجاع الأمور إلى نصابها لسحب أي امتياز بني على باطل.

إذا أعجبك الموضوع، اضغط إعجاب للصفحة

أحدث أقدم

نموذج الاتصال